ابن قتيبة الدينوري

مقدمة 8

الانواء في مواسم العرب

إنّ جميع منتجات الفكر العربي ، التي ذكرناها إلى الآن ، تستفيد قليلا أو كثيرا من أبحاث الفلكيين . وكأن بعضها يعمّم أسهل المعلومات وأقربها إلى أذهان الناس . وينشر في طبقات أوسع من الدوائر المختصة جملة من المعارف يتوارثها خلف عن سلف . ولكن العامة ما تبرح ، على اختلاف الأجيال والبلدان ، تتمسك بالماضي . وينضم إليها في هذا الشأن عدد غير قليل من المثقفين المحافظين ، الذين لا يقبلون « البدع » إلا بطول المدة ، ويقولون ( حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) فماذا كان عليه آباؤهم ؟ لقد سبق أن قلنا إن الأعراب في صحاريهم يستدلون بالشمس والقمر والنجوم ، فسمّوا أعظمها وأشدها نورا بأسماء عادية مأخوذة من الحياة اليومية . وتداولت بينهم معرفتها منذ أقدم الزمان . ثم لاحظوا أن بعض النجوم تطلع أو تسقط ، ويحدث مع طلوعها أو سقوطها حوادث تمّس الحياة البدوية من نتاج المواشي ومعالجة النخيل وهطول المطر إلى غير ذلك ، مما يهتم به البدوي أشد الاهتمام ؛ فشاهدوا أن تلك النجوم الخاصة تتقارن اثنين اثنين ، حتى يطلع أحدها في المشرق غداة حينما يسقط أخوه في المغرب ؛ فسمّوا الطالع « رقيبا » ، كأنه يرقب سقوط الآخر ؛ وسمّوا الساقط « نوءا » ، من « ناء » . « وإنما قيل باء ، إذا سقط . لأنه يميل ، والميل هو النوء ، ومعنى قول اللَّه عزّ وجلّ [ سورة القصص 28 - 76 ] : * ( لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ ) * أي لتميل بها من ثقلها » ( فقرة « 11 » من متن هذا الكتاب على صفحة 7 ) .